المستشــــار
13 / 10 / 2007, 38 : 01 PM
آل الشيخ يوضح أن الدولة حرصت على نهج السلف الصالح
الرسول سنّ قيام رمضان وصلى بأصحابه في المسجد
عبدالعزيز آل الشيخ : الوطن
أطلق البعض فكرة حول تبديع صلاة التهجد في المساجد، داعياً أن تكون فقط في البيوت، ولما كان مثل هذا الرأي لا يعدو مسألة الطرح الفردي، فإن "الوطن" لا تتوقف عند مثل ذلك الرأي بل تستنير بما يراه العلماء الكبار حول هذه المسألة.
ونرى أن ابن تيمية أكد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ قيام رمضان لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى. وقال الإمام أبو عبدالله الشافعي إن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حق الأمة، فإنه كان واجباً في ابتداء الإسلام على الأمة كافة.
وفي الوقت الراهن فإن المفتي العام للسعودية ردّ على من يبدعون بعض الأمور المتعارف عليها حالياً بقوله إن هذه الدولة حرصت على السير على ما سار عليه السلف الصالح منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وبقية الصحابة.
مشروعية الجماعة في قيام رمضان
يقول أبو ذر رضي الله عنه عن قيام النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب بنا شطر الليل أي نصفه... ثم لم يقم بنا في الرابعة، وقام بنا في الثالثة حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح (أي السحور). رواه أهل السنن.
وهذا حذيفة رضي الله عنه يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم بالنساء ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة، أي صلاة الفجر" أخرجه الإمام أحمد.
وعن عبدالرحمن بن عبدالقارئ أنه قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم.
وقال المعتمر بن سليمان: مكث أبي سليمان التميمي ـ رحمه الله ـ أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء الآخرة.
قال معمر: "صلى على جانبي سليمان التميمي (رحمه الله) بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ في صلاته "تبارك الذي بيده الملك" حتى أتى على هذه الآية "فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا" فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا، ثم خرجت إلى بيتي، فلما رجعت إلى المسجد لأؤذن الفجر فإذا سليمان التميمي في مكانه كما تركته البارحة، وهو واقف يردد هذه الآية لم يجاوزها.
وكان سليمان التميمي هو وابنه يدوران في الليل في المساجد، فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا.
وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يأمر الناس بقيام رمضان، ويؤمّر للرجال إماماً، وللنساء إماما.
أما البخاري فقد كان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم، فإذا جاءه السحر أقبل يقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن.
وكان حماد بن أبي سليمان يضيف في شهر رمضان خمسين رجلا كل ليلة، فإذا كانت ليلة العيد كساهم، وأعطى كل رجل منهم مئة درهم.
واقتدى السلف برسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف بالمساجد، والاجتهاد في الأيام الأخيرة كان كما قال أنس رضي الله عنه: إذا حانت العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه، وشد مئزره، واجتنب النساء، وجعل عشاءه سحورا، وكان كما قال ابن القيم: إذا جاءه العشر الأواخر يأمر بخباء فيضرب له في المسجد، فيخلو فيه بربه عز وجل، لا ينشغل بشيء، ولا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان.
وكان من سنة السلف في رمضان أن يأتوا بالأشربة في المساجد أوقات القيام والتهجد، فيشرب منها الفقراء وغير الفقراء، كما كانوا يقومون بتطييب المساجد في رمضان والجمع كي لا تتغير رائحتها بسبب طول المكث فيها فيملها الناس، وجاء في تاريخ دمشق أن مولى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ المجمر قدّامه إذا خرج إلى الصلاة في شهر رمضان.
ابن باز
وجاء على موقع الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله: صلاة الليل مرغوب فيها قال تعالى في صفة عباد الرحمن: "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا"، وقال سبحانه في صفة المتقين: "كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"، وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، وقال تعالى: "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، والآيات الدالة على فضل قيام الليل كثيرة والنبي عليه الصلاة والسلام كان كثيراً ما يتهجد بالليل ويقول: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الأغلب يصلي إحدى عشرة ركعة يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة، وربما أوتر بتسع أو بسبع أو خمس، ولكن الأغلب أنه يصلي إحدى عشرة وربما صلى ثلاث عشرة يطيل في قراءته وركوعه وسجوده عليه الصلاة والسلام.
آل الشيخ
وكان سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ قد أصدر بياناً توضيحياً حول ما نشرته صحيفة السياسة الكويتية بتاريخ 28 ربيع الآخر 1427هـ تحت عنوان "إيقاف صلاة التراويح" ومما جاء في البيان:
أصل جمع الناس على صلاة التراويح كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها.. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضي الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال أما بعد.. فإنه لم يخف علي مكانكم لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. هذا لفظ البخاري وفي رواية له بزيادة (وذلك في رمضان).
وفي رواية عند أبي داود عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة قال فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة قال فلما كانت الرابعة لم يقم فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال فقلت ما الفلاح قال: السحور ثم لم يقم بنا بقية الشهر.قال ابن حجر رحمه الله لما ساق الحديث وشرحه.. وفي حديث الباب من الفوائد (غير ما تقدم) ندب قيام الليل ولاسيما في رمضان جماعة لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله.
فأصل صلاة التراويح في جماعة ثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يواظب عليها خشية أن تفرض على الأمة فلما توفي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي وأمنت خشية فرضية صلاة الليل في جماعة جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجمع الناس عليها وجعل إمامهم أبي بن كعب رضي الله عنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما قيام رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى لكن لم يداوموا على جماعة واحدة لئلا تفرض عليهم فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة فلما كان عمر رضي الله عنه جمعهم على إمام واحد وهو أبي بن كعب الذي جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال أيضا رحمه الله: وقيام رمضان قد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه" وكانوا على عهده صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعا متفرقين يصلي الرجل وحده ويصلي الرجل ومعه جماعة جماعة وقد صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم جماعة مرة بعد مرة وقال "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة لكن لم يداوم على الجماعة كالصلوات الخمس خشية أن يفرض عليهم فلما مات أمنوا زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبي بن كعب".
وتابع الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في بيانه: في سنن أبي داود وابن ماجة وغيرهما عن جبير بن مطعم رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار". والمقصود أن منع الناس من صلاة التراويح في المسجد الحرام لأجل تفريغه للطائفين لا يسنده الدليل. ثم إن المسلمين لا يزالون يصلونها في المسجد الحرام منذ قرون. فقد أخرج الفاكهي بسنده إلى عكرمة بن عمار قال: أمنا عبدالله بن عبيد بن عمير في المسجد الحرام وكان يؤم الناس فكان يقرأ بنا في الوتر بالمعوذات يعني في شهر رمضان. وقال في نفس السياق.. وقال بعض أهل مكة.. كان الناس بمكة في قديم الدهر يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام تركز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام دون الحربة والناس معه فمن أراد صلى ومن أراد طاف وركع خلف المقام.. ثم استرسل فيما أقره خالد القسري بعد. وذكر ذلك الأزرقي بأتم من سياق الفاكهي وأن خالدا القسري هو أول من أدار الصفوف حول الكعبة لما ضاق عليهم أعلى المسجد فلما قيل له.. تقطع الطواف لغير المكتوبة قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعا.. إلى آخر ما ساق في خبره. والمقصود أن صلاة التراويح جماعة في رمضان حول الكعبة أمر معهود منذ زمن قديم ومن تتبع تواريخ مكة وكتب التراجم والرحلات علم ذلك واجتمع له عدة ممن أموا الناس في قيام رمضان بالمسجد الحرام.أما ما ذكر من أن المسجد الحرام يشمل حدود الحرم جميعها فهذا حق ونحن نقول به ونقول إن التضعيف الوارد في الحديث يشمل جميع الحرم بدلالة قول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا"، ولكن هذا لا يبرر إيقاف صلاة التراويح في الحرم ومنع المصلين من صلاة القيام في الحرم.
وأضاف المفتي العام للمملكة العربية السعودية: المقصود بصلاة التهجد في هذا السياق هو صلاة القيام في جماعة في رمضان وتصلى آخر الليل بعد أن يصلي الناس أول الليل شيئا من التراويح ثم ينصرفون للراحة أو العشاء ليتقووا على صلاة الليل وهذا في العشر الأواخر.
والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأخير من رمضان. تقول عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر" أخرجه مسلم.
فالعشر الأخيرة من رمضان لها مزيد فضل على غيرها من الليالي لفضلها ولأن ليلة القدر فيها فالاجتهاد فيها مطلوب.
واختتم الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ بيانه المشار إليه بقوله: هذه الدولة حرصت على السير على ما سار عليه السلف الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وما عليه أئمة الدين ولم يوجد في العهد السعودي لا في المشاعر ولا في الشعائر شيء مبتدع ولله الحمد والمنة وهذا من فضل الله تعالى على حكام هذه البلاد المباركة. وإنما هم حريصون أشد الحرص على السعي في التسهيل على الحجاج والمعتمرين والزوار بالتوسعة والتكييف وشق الطرق وعمل ما من شأنه تسهيل القيام بالشعائر مع المحافظة على المشاعر. هذا ما نشهد الله عليه مما علمناه من حكام هذه الدولة أدام الله بعز الإسلام عزها. أسأل الله عز وجل أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى إنه سبحانه سميع مجيب.
إبراهيم الحقيل
وعن قيام رمضان في المساجد يقول الشيخ إبراهيم الحقيل: في هذه الليالي العظيمة تعج مساجد المسلمين في أول الليل وآخره بالمصلين: قائمين راكعين ساجدين، يتلون كتاب ربهم، وينصتون إلى آياته خاشعين متدبرين، متبعين هدي نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام الذي شرع لهم قيام رمضان جماعة في المساجد، كما شرع لهم قيام الليل طوال السنة في بيوتهم.
وأوضح الشيخ الحقيل أن عمر رضي الله عنه أحيا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وجمع الناس على أئمتهم في رمضان، وكان هذا دأب المسلمين بتتابع القرون، وتطاول السنون، يحيون ليالي رمضان في المساجد، ويخصون العشر الأخيرة منه بمزيد عناية واجتهاد؛ تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيزيدون في ركعات الصلاة، ويطيلون القنوت والركوع والسجود.
ويضيف الشيخ الحقيل أن قيام هذه الليالي المباركة اجتمعت فيه فضيلة العمل وهو الصلاة، وفضيلة الشهر وهو رمضان، وفضيلة عشره الأخيرة، وفضيلة الوقت وهو ثلث الليل الآخر.
ويؤكد أن قيام الليل له من الفضل والمنفعة للمؤمن ما لا يعده العادون، ولا يحصيه المحصون، وأن من عظيم فضله أنه كان فرضا في أول الإسلام، وخوطب به النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، ولمَّا تكتمل بعدُ شرائع الإسلام، ولا أقيمت للمسلمين دولة. بل إن الأمر بقيام الليل جاء في أوائل السور المكية نزولا، وهي سورة المزمل التي هي ثانية السور نزولا أو ثالثتها أو رابعتها على خلاف بين المفسرين، ولو كانت الرابعة على أبعد تقدير فهي متقدمة جدا، وهذا يدل على مكانة قيام الليل من شريعة الإسلام؛ إذ جاء فيما تقدم نزوله من القرآن "يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآَنَ تَرْتِيلا" (المزمل:1-4)، وسأل سعد بن هشام رحمه الله تعالى عائشة رضي الله عنها عن قِيَامِ الرسول عليه الصلاة والسلام فقالت: "أَلَسْتَ تَقْرَأُ: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قلت: بَلَى، قالت: فإن اللَّهَ عز وجل افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ في أَوَّلِ هذه السُّورَةِ فَقَامَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَوْلا وَأَمْسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا في السَّمَاءِ حتى أَنْزَلَ الله في آخِرِ هذه السُّورَةِ التَّخْفِيفَ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ" رواه مسلم.
وفي رواية لأبي داود والدارمي: "فَقَامَ أَصْحَابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَحُبِسَ خَاتِمَتُهَا في السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَ آخِرُهَا فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ".
بيد أن قيام الليل وإن وُضع فرضه عن المسلمين؛ رحمة من الله تعالى بهم، وتخفيفاً عليهم؛ لعجزهم وضعفهم؛ فإنه ظل فريضة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ تعظيماً لشأنه، وزيادة في رفعة درجاته، وتخصيصاً له بفضائل الأعمال كما اختصه الله تعالى بأعلى المنازل والمقامات؛ وفي سورة الإسراء خوطب النبي عليه الصلاة والسلام بالفرائض، ثم خُوطب عقبها بقيام الليل "وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ" (الإسراء: 79)، أي لأجلك، وهذا دليل اختصاص النبي -عليه الصلاة والسلام- بفرض قيام الليل دون أمته.
والله تعالى لا يختار لخاتم رسله إلا ما هو أفضل وأكمل، ولا يفترض عليه إلا ما يقربه إليه، ولا سيما أن الله تعالى قد علَّلَ هذا الأمر لنبيه -عليه الصلاة والسلام- في فرض قيام الليل عليه بقوله سبحانه: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" (الإسراء: 79).
والمقام المحمود مقام عظيم جليل يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة للخلق بأن يُقضى بينهم، ولا يكون ذلك المقام إلا للنبي عليه الصلاة والسلام، حين يشفع عند الله تعالى فيقبل الله تعالى شفاعته، فيغبطه المرسلون عليهم السلام على ذلك المقام.
فكان المتأسي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في قيام الليل قد تأسى بما اختاره الله تعالى له، وفرضه عليه؛ ليعطيه المقام المحمود، وفي ذلك من الفضيلة ما لا يخفى.
وقيام الليل جاء الأمر به في القرآن كثيراً: ففي سورة ق: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ" (ق: 40). وفي الطور "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ" (الطُّور: 49). وفي الإنسان "وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا" (الإنسان: 26).
وأثنى سبحانه وتعالى على المتهجدين فقال: "أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ" (الزُّمر: 9).
وفي الأمم التي سبقتنا صالحون متهجدون يقومون بآيات الله تعالى والناس نيام فامتدحهم الله تعالى بذلك: "مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ الله آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" (آل عمران: 113).
وذكر سبحانه في الفرقان صفات عباده عز وجل، ومنها "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا" (الفرقان: 64)، ثم بين سبحانه أن مأواهم الجنة بقوله سبحانه "أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا" (الفرقان: 75- 76).
وأوضح الشيخ الحقيل أن قيام الليل سبب لمحبة الله عز وجل لعبده القائم القانت، حيث روى أبو الدرداء -رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ....وذكر منهم: الذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول الله عز وجل: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد" رواه الطبراني وحسنه المنذري.
وجاء في حديث ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: "أن رَبَّنَا عز وجل عَجِبَ من رَجُلٍ ثَارَ عن وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ من بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَبِّهِ إلى صَلاَتِهِ فيقول رَبُّنَا: أَيَا ملائكتي، انْظُرُوا إلى عبدي ثَارَ من فِرَاشِهِ ووطائه مِنْ بَيْنِ حَبِّهِ وَأَهْلِهِ إلى صَلاَتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عندي وَشَفَقَةً مِمَّا عندي" رواه أحمد وصححه ابن حبان.
وفي رواية للطبراني: "فيقول اللَّهُ عز وجل لِمَلائِكَتِهِ: ما حَمَلَ عَبْدِي هذا على ما صَنَعَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا رَجَاءَ ما عِنْدَكَ وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدَكَ، فيقول: فَإِنَّي قد أَعْطَيْتُهُ ما رَجَا وَأَمَّنْتُهُ مِمَّا خَافَ" جاء مرفوعاً وموقوفاً، قال الدارقطني: والموقوف أصح.
وجاء في كتاب "الفصول في السيرة لابن كثير" لحسن بن الحاج رمضان الخطيب الأيوبي:
وأما قيام الليل - وهو التهجد - فهو الوتر على الصحيح، لما رواه الإمام أحمد "عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الوتر ركعة من آخر الليل" وإسناده جيد.
وإذا تقرر ذلك فاعلم أنه قد قال جمهور الأصحاب: إن التهجد كان واجباً عليه، وتمسكوا بقول الله تعالى "ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا".
وقال عروة "عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى قام حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً؟" رواه مسلم عن هارون بن معروف، عن عبدالله بن وهب، عن أبي صخر، عن ابن قسيط، عن عروة به. وأخرجاه من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة.
وحكى الشيخ أبو حامد رحمه الله تعالى، عن الإمام أبي عبدالله الشافعي رحمه الله تعالى: أن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حق الأمة، فإنه كان واجباً في ابتداء الإسلام على الأمة كافة. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وهذا هو الصحيح الذي تشهد له الأحاديث، منها حديث سعد بن هشام عن عائشة، وهو في الصحيح معروف. وكذا قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى. قلت: والحديث الذي أشار إليه رواه مسلم من حديث هشام بن سعد أنه دخل على عائشة أم المؤمنين فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: ألست تقرأ بي أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حولاً، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. وقد أشار الشافعي إلى الاحتجاج بهذا الحديث في النسخ، ومن قوله تعالى "ومن الليل فتهجد به نافلة لك" قال: فأعلمه أن قيام الليل نافلة لا فريضة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
منقول من جريدة الوطن
الرسول سنّ قيام رمضان وصلى بأصحابه في المسجد
عبدالعزيز آل الشيخ : الوطن
أطلق البعض فكرة حول تبديع صلاة التهجد في المساجد، داعياً أن تكون فقط في البيوت، ولما كان مثل هذا الرأي لا يعدو مسألة الطرح الفردي، فإن "الوطن" لا تتوقف عند مثل ذلك الرأي بل تستنير بما يراه العلماء الكبار حول هذه المسألة.
ونرى أن ابن تيمية أكد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ قيام رمضان لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى. وقال الإمام أبو عبدالله الشافعي إن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حق الأمة، فإنه كان واجباً في ابتداء الإسلام على الأمة كافة.
وفي الوقت الراهن فإن المفتي العام للسعودية ردّ على من يبدعون بعض الأمور المتعارف عليها حالياً بقوله إن هذه الدولة حرصت على السير على ما سار عليه السلف الصالح منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وبقية الصحابة.
مشروعية الجماعة في قيام رمضان
يقول أبو ذر رضي الله عنه عن قيام النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب بنا شطر الليل أي نصفه... ثم لم يقم بنا في الرابعة، وقام بنا في الثالثة حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح (أي السحور). رواه أهل السنن.
وهذا حذيفة رضي الله عنه يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم بالنساء ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة، أي صلاة الفجر" أخرجه الإمام أحمد.
وعن عبدالرحمن بن عبدالقارئ أنه قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم.
وقال المعتمر بن سليمان: مكث أبي سليمان التميمي ـ رحمه الله ـ أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء الآخرة.
قال معمر: "صلى على جانبي سليمان التميمي (رحمه الله) بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ في صلاته "تبارك الذي بيده الملك" حتى أتى على هذه الآية "فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا" فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا، ثم خرجت إلى بيتي، فلما رجعت إلى المسجد لأؤذن الفجر فإذا سليمان التميمي في مكانه كما تركته البارحة، وهو واقف يردد هذه الآية لم يجاوزها.
وكان سليمان التميمي هو وابنه يدوران في الليل في المساجد، فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا.
وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يأمر الناس بقيام رمضان، ويؤمّر للرجال إماماً، وللنساء إماما.
أما البخاري فقد كان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم، فإذا جاءه السحر أقبل يقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن.
وكان حماد بن أبي سليمان يضيف في شهر رمضان خمسين رجلا كل ليلة، فإذا كانت ليلة العيد كساهم، وأعطى كل رجل منهم مئة درهم.
واقتدى السلف برسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف بالمساجد، والاجتهاد في الأيام الأخيرة كان كما قال أنس رضي الله عنه: إذا حانت العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه، وشد مئزره، واجتنب النساء، وجعل عشاءه سحورا، وكان كما قال ابن القيم: إذا جاءه العشر الأواخر يأمر بخباء فيضرب له في المسجد، فيخلو فيه بربه عز وجل، لا ينشغل بشيء، ولا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان.
وكان من سنة السلف في رمضان أن يأتوا بالأشربة في المساجد أوقات القيام والتهجد، فيشرب منها الفقراء وغير الفقراء، كما كانوا يقومون بتطييب المساجد في رمضان والجمع كي لا تتغير رائحتها بسبب طول المكث فيها فيملها الناس، وجاء في تاريخ دمشق أن مولى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ المجمر قدّامه إذا خرج إلى الصلاة في شهر رمضان.
ابن باز
وجاء على موقع الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله: صلاة الليل مرغوب فيها قال تعالى في صفة عباد الرحمن: "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا"، وقال سبحانه في صفة المتقين: "كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"، وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، وقال تعالى: "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، والآيات الدالة على فضل قيام الليل كثيرة والنبي عليه الصلاة والسلام كان كثيراً ما يتهجد بالليل ويقول: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الأغلب يصلي إحدى عشرة ركعة يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة، وربما أوتر بتسع أو بسبع أو خمس، ولكن الأغلب أنه يصلي إحدى عشرة وربما صلى ثلاث عشرة يطيل في قراءته وركوعه وسجوده عليه الصلاة والسلام.
آل الشيخ
وكان سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ قد أصدر بياناً توضيحياً حول ما نشرته صحيفة السياسة الكويتية بتاريخ 28 ربيع الآخر 1427هـ تحت عنوان "إيقاف صلاة التراويح" ومما جاء في البيان:
أصل جمع الناس على صلاة التراويح كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها.. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضي الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال أما بعد.. فإنه لم يخف علي مكانكم لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. هذا لفظ البخاري وفي رواية له بزيادة (وذلك في رمضان).
وفي رواية عند أبي داود عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة قال فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة قال فلما كانت الرابعة لم يقم فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال فقلت ما الفلاح قال: السحور ثم لم يقم بنا بقية الشهر.قال ابن حجر رحمه الله لما ساق الحديث وشرحه.. وفي حديث الباب من الفوائد (غير ما تقدم) ندب قيام الليل ولاسيما في رمضان جماعة لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله.
فأصل صلاة التراويح في جماعة ثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يواظب عليها خشية أن تفرض على الأمة فلما توفي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي وأمنت خشية فرضية صلاة الليل في جماعة جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجمع الناس عليها وجعل إمامهم أبي بن كعب رضي الله عنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما قيام رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهده يصلون جماعة وفرادى لكن لم يداوموا على جماعة واحدة لئلا تفرض عليهم فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة فلما كان عمر رضي الله عنه جمعهم على إمام واحد وهو أبي بن كعب الذي جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال أيضا رحمه الله: وقيام رمضان قد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه" وكانوا على عهده صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعا متفرقين يصلي الرجل وحده ويصلي الرجل ومعه جماعة جماعة وقد صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم جماعة مرة بعد مرة وقال "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة لكن لم يداوم على الجماعة كالصلوات الخمس خشية أن يفرض عليهم فلما مات أمنوا زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبي بن كعب".
وتابع الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في بيانه: في سنن أبي داود وابن ماجة وغيرهما عن جبير بن مطعم رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار". والمقصود أن منع الناس من صلاة التراويح في المسجد الحرام لأجل تفريغه للطائفين لا يسنده الدليل. ثم إن المسلمين لا يزالون يصلونها في المسجد الحرام منذ قرون. فقد أخرج الفاكهي بسنده إلى عكرمة بن عمار قال: أمنا عبدالله بن عبيد بن عمير في المسجد الحرام وكان يؤم الناس فكان يقرأ بنا في الوتر بالمعوذات يعني في شهر رمضان. وقال في نفس السياق.. وقال بعض أهل مكة.. كان الناس بمكة في قديم الدهر يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام تركز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام دون الحربة والناس معه فمن أراد صلى ومن أراد طاف وركع خلف المقام.. ثم استرسل فيما أقره خالد القسري بعد. وذكر ذلك الأزرقي بأتم من سياق الفاكهي وأن خالدا القسري هو أول من أدار الصفوف حول الكعبة لما ضاق عليهم أعلى المسجد فلما قيل له.. تقطع الطواف لغير المكتوبة قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعا.. إلى آخر ما ساق في خبره. والمقصود أن صلاة التراويح جماعة في رمضان حول الكعبة أمر معهود منذ زمن قديم ومن تتبع تواريخ مكة وكتب التراجم والرحلات علم ذلك واجتمع له عدة ممن أموا الناس في قيام رمضان بالمسجد الحرام.أما ما ذكر من أن المسجد الحرام يشمل حدود الحرم جميعها فهذا حق ونحن نقول به ونقول إن التضعيف الوارد في الحديث يشمل جميع الحرم بدلالة قول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا"، ولكن هذا لا يبرر إيقاف صلاة التراويح في الحرم ومنع المصلين من صلاة القيام في الحرم.
وأضاف المفتي العام للمملكة العربية السعودية: المقصود بصلاة التهجد في هذا السياق هو صلاة القيام في جماعة في رمضان وتصلى آخر الليل بعد أن يصلي الناس أول الليل شيئا من التراويح ثم ينصرفون للراحة أو العشاء ليتقووا على صلاة الليل وهذا في العشر الأواخر.
والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأخير من رمضان. تقول عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر" أخرجه مسلم.
فالعشر الأخيرة من رمضان لها مزيد فضل على غيرها من الليالي لفضلها ولأن ليلة القدر فيها فالاجتهاد فيها مطلوب.
واختتم الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ بيانه المشار إليه بقوله: هذه الدولة حرصت على السير على ما سار عليه السلف الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وما عليه أئمة الدين ولم يوجد في العهد السعودي لا في المشاعر ولا في الشعائر شيء مبتدع ولله الحمد والمنة وهذا من فضل الله تعالى على حكام هذه البلاد المباركة. وإنما هم حريصون أشد الحرص على السعي في التسهيل على الحجاج والمعتمرين والزوار بالتوسعة والتكييف وشق الطرق وعمل ما من شأنه تسهيل القيام بالشعائر مع المحافظة على المشاعر. هذا ما نشهد الله عليه مما علمناه من حكام هذه الدولة أدام الله بعز الإسلام عزها. أسأل الله عز وجل أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى إنه سبحانه سميع مجيب.
إبراهيم الحقيل
وعن قيام رمضان في المساجد يقول الشيخ إبراهيم الحقيل: في هذه الليالي العظيمة تعج مساجد المسلمين في أول الليل وآخره بالمصلين: قائمين راكعين ساجدين، يتلون كتاب ربهم، وينصتون إلى آياته خاشعين متدبرين، متبعين هدي نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام الذي شرع لهم قيام رمضان جماعة في المساجد، كما شرع لهم قيام الليل طوال السنة في بيوتهم.
وأوضح الشيخ الحقيل أن عمر رضي الله عنه أحيا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وجمع الناس على أئمتهم في رمضان، وكان هذا دأب المسلمين بتتابع القرون، وتطاول السنون، يحيون ليالي رمضان في المساجد، ويخصون العشر الأخيرة منه بمزيد عناية واجتهاد؛ تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيزيدون في ركعات الصلاة، ويطيلون القنوت والركوع والسجود.
ويضيف الشيخ الحقيل أن قيام هذه الليالي المباركة اجتمعت فيه فضيلة العمل وهو الصلاة، وفضيلة الشهر وهو رمضان، وفضيلة عشره الأخيرة، وفضيلة الوقت وهو ثلث الليل الآخر.
ويؤكد أن قيام الليل له من الفضل والمنفعة للمؤمن ما لا يعده العادون، ولا يحصيه المحصون، وأن من عظيم فضله أنه كان فرضا في أول الإسلام، وخوطب به النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، ولمَّا تكتمل بعدُ شرائع الإسلام، ولا أقيمت للمسلمين دولة. بل إن الأمر بقيام الليل جاء في أوائل السور المكية نزولا، وهي سورة المزمل التي هي ثانية السور نزولا أو ثالثتها أو رابعتها على خلاف بين المفسرين، ولو كانت الرابعة على أبعد تقدير فهي متقدمة جدا، وهذا يدل على مكانة قيام الليل من شريعة الإسلام؛ إذ جاء فيما تقدم نزوله من القرآن "يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآَنَ تَرْتِيلا" (المزمل:1-4)، وسأل سعد بن هشام رحمه الله تعالى عائشة رضي الله عنها عن قِيَامِ الرسول عليه الصلاة والسلام فقالت: "أَلَسْتَ تَقْرَأُ: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قلت: بَلَى، قالت: فإن اللَّهَ عز وجل افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ في أَوَّلِ هذه السُّورَةِ فَقَامَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَوْلا وَأَمْسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا في السَّمَاءِ حتى أَنْزَلَ الله في آخِرِ هذه السُّورَةِ التَّخْفِيفَ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ" رواه مسلم.
وفي رواية لأبي داود والدارمي: "فَقَامَ أَصْحَابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَحُبِسَ خَاتِمَتُهَا في السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَ آخِرُهَا فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ".
بيد أن قيام الليل وإن وُضع فرضه عن المسلمين؛ رحمة من الله تعالى بهم، وتخفيفاً عليهم؛ لعجزهم وضعفهم؛ فإنه ظل فريضة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ تعظيماً لشأنه، وزيادة في رفعة درجاته، وتخصيصاً له بفضائل الأعمال كما اختصه الله تعالى بأعلى المنازل والمقامات؛ وفي سورة الإسراء خوطب النبي عليه الصلاة والسلام بالفرائض، ثم خُوطب عقبها بقيام الليل "وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ" (الإسراء: 79)، أي لأجلك، وهذا دليل اختصاص النبي -عليه الصلاة والسلام- بفرض قيام الليل دون أمته.
والله تعالى لا يختار لخاتم رسله إلا ما هو أفضل وأكمل، ولا يفترض عليه إلا ما يقربه إليه، ولا سيما أن الله تعالى قد علَّلَ هذا الأمر لنبيه -عليه الصلاة والسلام- في فرض قيام الليل عليه بقوله سبحانه: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" (الإسراء: 79).
والمقام المحمود مقام عظيم جليل يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة للخلق بأن يُقضى بينهم، ولا يكون ذلك المقام إلا للنبي عليه الصلاة والسلام، حين يشفع عند الله تعالى فيقبل الله تعالى شفاعته، فيغبطه المرسلون عليهم السلام على ذلك المقام.
فكان المتأسي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في قيام الليل قد تأسى بما اختاره الله تعالى له، وفرضه عليه؛ ليعطيه المقام المحمود، وفي ذلك من الفضيلة ما لا يخفى.
وقيام الليل جاء الأمر به في القرآن كثيراً: ففي سورة ق: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ" (ق: 40). وفي الطور "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ" (الطُّور: 49). وفي الإنسان "وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا" (الإنسان: 26).
وأثنى سبحانه وتعالى على المتهجدين فقال: "أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ" (الزُّمر: 9).
وفي الأمم التي سبقتنا صالحون متهجدون يقومون بآيات الله تعالى والناس نيام فامتدحهم الله تعالى بذلك: "مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ الله آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" (آل عمران: 113).
وذكر سبحانه في الفرقان صفات عباده عز وجل، ومنها "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا" (الفرقان: 64)، ثم بين سبحانه أن مأواهم الجنة بقوله سبحانه "أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا" (الفرقان: 75- 76).
وأوضح الشيخ الحقيل أن قيام الليل سبب لمحبة الله عز وجل لعبده القائم القانت، حيث روى أبو الدرداء -رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ....وذكر منهم: الذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول الله عز وجل: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد" رواه الطبراني وحسنه المنذري.
وجاء في حديث ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: "أن رَبَّنَا عز وجل عَجِبَ من رَجُلٍ ثَارَ عن وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ من بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَبِّهِ إلى صَلاَتِهِ فيقول رَبُّنَا: أَيَا ملائكتي، انْظُرُوا إلى عبدي ثَارَ من فِرَاشِهِ ووطائه مِنْ بَيْنِ حَبِّهِ وَأَهْلِهِ إلى صَلاَتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عندي وَشَفَقَةً مِمَّا عندي" رواه أحمد وصححه ابن حبان.
وفي رواية للطبراني: "فيقول اللَّهُ عز وجل لِمَلائِكَتِهِ: ما حَمَلَ عَبْدِي هذا على ما صَنَعَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا رَجَاءَ ما عِنْدَكَ وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدَكَ، فيقول: فَإِنَّي قد أَعْطَيْتُهُ ما رَجَا وَأَمَّنْتُهُ مِمَّا خَافَ" جاء مرفوعاً وموقوفاً، قال الدارقطني: والموقوف أصح.
وجاء في كتاب "الفصول في السيرة لابن كثير" لحسن بن الحاج رمضان الخطيب الأيوبي:
وأما قيام الليل - وهو التهجد - فهو الوتر على الصحيح، لما رواه الإمام أحمد "عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الوتر ركعة من آخر الليل" وإسناده جيد.
وإذا تقرر ذلك فاعلم أنه قد قال جمهور الأصحاب: إن التهجد كان واجباً عليه، وتمسكوا بقول الله تعالى "ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا".
وقال عروة "عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى قام حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً؟" رواه مسلم عن هارون بن معروف، عن عبدالله بن وهب، عن أبي صخر، عن ابن قسيط، عن عروة به. وأخرجاه من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة.
وحكى الشيخ أبو حامد رحمه الله تعالى، عن الإمام أبي عبدالله الشافعي رحمه الله تعالى: أن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم كما نسخ في حق الأمة، فإنه كان واجباً في ابتداء الإسلام على الأمة كافة. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وهذا هو الصحيح الذي تشهد له الأحاديث، منها حديث سعد بن هشام عن عائشة، وهو في الصحيح معروف. وكذا قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى. قلت: والحديث الذي أشار إليه رواه مسلم من حديث هشام بن سعد أنه دخل على عائشة أم المؤمنين فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: ألست تقرأ بي أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حولاً، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. وقد أشار الشافعي إلى الاحتجاج بهذا الحديث في النسخ، ومن قوله تعالى "ومن الليل فتهجد به نافلة لك" قال: فأعلمه أن قيام الليل نافلة لا فريضة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
منقول من جريدة الوطن